.. زحام المبادرات ..

غادة العقيلي | 2018.10.28 - 10:13 - أخر تحديث : الأحد 28 أكتوبر 2018 - 10:13 صباحًا
ارسال
لا تعليقات
373 قراءة
شــارك
.. زحام المبادرات ..

(مُبادَرة) في اللغة هي سبْق إلى اقتراح أمرٍ أو تحقيقه. وهي “الإسراع إلى فعل شيء بهدف التغيير “، فالذي يبادر مبادرةً معينة، لا بد أنه قد لاحظ نقصاً ما أو أراد تطوير شيءٍ ما في مجال ما.

وقد تطور مفهوم المبادرة خلال السنوات الأخيرة، فأصبحت المبادرة عبارة عن فكرة وخطة عمل تطرح لمعالجة قضايا المجتمع ثم تتحول إلى مشاريع تنموية قصيرة المدى وبعيدة المدى، تصدر عادةً عن المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والجمعيات الخيرية والتطوعية، هي في الحقيقة تأخذ طريقاً فرعياً عن الأهداف الرئيسية للمؤسسة أو الجمعية، فتحقق أهدافها الفرعية بشكل مستقل.

وهي إثر ذلك تساهم بالتقدم في المجالات المختلفة وبالتالي تساهم في التنافس، كما تساهم بالاهتمام بالعلم بشتى أنواعه، فالمبادر حريص على تقديم فكرةٍ جديدة وهذا يتطلب منه القراءة والبحث إذا أراد لمبادرته أن تكون ذات أثر وفعالية. وعلى الصعيد المؤسسي، يزيد الإبداع لدى المؤسسة المبادرة، ويزيد مستوى التفكير الإبداعي لدى موظفيها، بالإضافة إلى إسهامها في حل المشكلات فكلما زادت المبادرات قلت المشاكل. وعلى المستوى الشخصي، تساهم المبادرات في صقل الموظف، فالمبادر ينتج ويبدع بل لا يكاد يكون لديه وقت فراغ. وأخيراً، نحن نطبّق أوامر الله تعالى وأوامر رسوله بالمبادرة، فالله تعالى يأمرنا في كتابه بالمسارعة والمسابقة “وسارعوا”، “سابقوا” وهذه الكلمات كلها تدل على المبادرة، وجاء أيضاً في حديث صريح للنبي صلى الله عليه وسلم “بادروا بالأعمال”.

وفي مجال التعليم تحديداً، تعكف الأمم كافةً على تطوير نظمها التعليمية، وتحسين مكوناتها وعناصرها المختلفة، وذلك لتقديم تعليم راقي النوعية لطلاب وطالبات جيل اليوم والمستقبل. ومن منطلق الإهتمام بالمبادرات التي تسهم في تغيير واقع التعليم، وتصلح جزئياته وتطورها، فقد جاءت كثير من الدراسات الإدارية في العصر الحديث لتؤكد على أهمية تبني المنظمات الحكومية غير الهادفة للربح على مفهوم المكاسب السريعة (Quick Wins)، وذلك تحرراً من الأساليب القديمة في بناء المبادرات والمشاريع ومتابعتها، وتسهيلاً للوصول للأهداف التشغيلية بأقصر الطرق وأقل كلفة.

ويعتبر مركز المبادرات النوعية بوزارة التعليم والذي تأسس عام 1437 هـ داعماً للأفكار والرؤى التربوية التي يزخر بها جهاز الوزارة وميداننا التربوي لتحقيق أهداف المركز في تبني وتنفيذ المبادرات النوعية التي لها القدرة على تحقيق أهداف القيادة والمجتمع بشكل عام والتعليم على وجه الخصوص ورعايتها وتطبيقها وتقويمها، كما يملك رؤيته الخاصة في تحقيق الاستدامة لجميع المبادرات النوعية، وضمان كفاءتها وفاعليتها. وهو يسعى لأن يكون قادراً على تبني واحتضان المبادرات النوعية الهادفة، والعمل على رعايتها والتخطيط لها بشكل علمي من خلال فرق عمل، والإشراف على تنفيذها وتقويمها. كما أن المركز يُعنى بتقبل أفكار المستفيدين وشركاء التعليم من خلال عدد من القنوات التواصلية والإعلامية، والمضمنة داخل وثيقته الخاصة.

ونستطيع تعريف المبادرة النوعية بأنها فكرة إبداعية متميزة، ورؤية تحمل في مضمونها تغيير الوضع الحالي ومعالجة مشكلاته. وتتعرض هذه المبادرة لمجموعة من العمليات المخططة بانتظام وبأسلوب علمي؛ للتأكد من قدرتها على تحقيق الدور المنوط بها في إصلاح التعليم وتطويره، ورفع كفاءته الداخلية والخارجية، والإسهام في حل قضاياه العالقة، بما يحقق الاستدامة والفاعلية للمبادرة.

مما لا شك فيه أن ميدان التعليم يزخر بالمبادرات والتنافس الإبداعي والذي يصب في عمق التحوّل الوطني 2020 ورؤية المملكة العربية السعودية 2030 . إن الميدان التعليمي يشهد في الوقت الحالي كثرةً في المبادرات المطروحة سواءً في الوزارة أو في الأقسام التابعة للإدارات التعليمية المختلفة. في الحقيقة أصبحنا أمام عددٍ من المبادرات أقل ما يُقال عنه أنه ” مهول “.

بهذا الخصوص تم طرح استبيان على الحساب الرسمي لإدارة تعليم عنيزة على (تويتر) والذي كان يقيس مدى تأثير تنوّع المبادرات وكثرتها على الميدان التعليمي والتربوي، وكانت 66% من النتائج تؤيد بأن هذا التنوّع وتلك الكثرة (تسبب التشتت للمستفيدين وتقلل الإنتاجية)، أما 18% من النتائج فكانت ترى بأن هذا التنوّع (يخدم الميدان ويبث روح التنافس)، ورأى 16% من المشاركين بالإستبيان بأن لا مانع من كثرتها إذا اختلفت مجالاتها.

كوزارة يندرج تحتها مستفيدين من جميع الشرائح، ينبغي أن يكون التركيز على “الكيف” لا “الكم”. تعيين لجنة من متخصصين لفرز وتنقيح المبادرات قائمة على أسس علمية وسياسة واضحة، سيجعل للمبادرات شأنٌ وهيبة. وعلى هذا فإن عدد ” مبادرتين مميزتين” في الفصل الدراسي الواحد يعتبر كاف، مع المتابعة المستمرة بالطبع وقياس الأثر على المستفيدين.

إن علينا أن نؤمن بسياسة “النَفَس الطويل” والخطط الخمسية والعشرية ولا مانع من المئوية. إذ ينبغي أن نُراعي في خطة المشروعات الجانب النوعي لا الكمي، فالنجاح في تشريب المجتمع ثلاثة أو أربعة مفاهيم تربوية جذرية، خيرٌ من عشرات الرسائل القصيرة والسريعة الأمد .. لكنها قابلة للذوبان والأفول السريع .